سهيلة عبد الباعث الترجمان
456
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وتتنوع أحواله بتنوع التجليات الإلهية لسرّه ، وهو الذي كنّى عنه الشرع بالتحول والتبدل في الصور التي ترد على القلب ، فهو حينا مرعى لغزلان ، وآخر ديرا لرهبان ، ثم بيتا لأوثان ، لما كانت الحقائق المطلوبة للبشر قائمة به ، والتي يعبدون اللّه من أجلها فسمى ذلك أوثانا . ولما كانت الأرواح العلوية حافّين بقلبه سمى قلبه كعبة وهي الأرواح المذكورة له ، إذا مسّه طائف من الشيطان فهن أصحاب الملمّات الملكية ، ولما حصّل من العلوم الموسوية العبرانية جعل قلبه ألواحا لها ، ولما ورث من المعارف المحمدية الكمالية جعلها متحفا وأقامها مقام القرآن لما حصل له من مقام " أوتيت جوامع الكلم " « 1 » . ونصل مع ابن عربي في هذا كله إلى دين الحب الذي قال فيه تعالى فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 2 » وفي هذا تلقّى التكليفات من محبوبه بالقبول والرضى والمحبة ورفع المشقة بأي وجه كان توجهها ، فهي كلها مرضيّة عندنا ، فليس ثمّة دين أعلى من دين قام على المحبة والشوق لمن أدين له به وأمر به على غيب ، وهذا مخصوص بالمحمديين ، فإن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم له من بين سائر الأنبياء مقام المحبة بكمالها لما اتصف به من الصفاء وغير ذلك من مقامات الأنبياء ، وزاد عليهم أن اللّه اتخذه حبيبا أي محبا ومحبوبا ، وورثته على منهاجه « 3 » . والواقع إن عقيدة الكلمة عنده تنطوي ضمنا على مبدأ كلية الوحي إذ تؤكد على أن كل نبيّ جانب من جوانب الكلمة العليا . وقد حاول ابن عربي أن يدرس التفاصيل الخاصة بالأديان الأخرى وخصائصها ، وأن يفصل المعاني الكلية المستترة في تراكيبها الخارجية على قدر المستطاع ، فقال : قد أعجزت كلّ علّام بملتنا * وداووديا وحبرا ثم قسّيسا « 4 » فإذا كان هنا يصف محبوبته العابدة العالمة ( النظّام ) فإن شرح هذه الإشارات يشير إلى الكتب الأربعة . " فالعلّام بملتنا " إشارة إلى القرآن و " الداوودي " إشارة إلى الزّبور .
--> ( 1 ) الحديث : سبق تخريجه . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 31 م . ( 3 ) ابن عربي ، ذخائر الأعلاق ، ص 15 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 15 .